سيد محمد طنطاوي

286

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

المشركين بالنبي صلَّى اللَّه عليه وسلم فكان هذا الحادث لتسليته صلَّى اللَّه عليه وسلم عما أصابه منهم ، ولتشريفه وتكريمه . . 3 - من المسائل التي ثار الجدل حولها ، مسألة : أكان الإسراء والمعراج في اليقظة أم في المنام ؟ وبالروح والجسد أم بالروح فقط ؟ . وقد لخص بعض المفسرين أقوال العلماء في هذه المسألة فقال : اعلم أن هذا الإسراء به صلَّى اللَّه عليه وسلم المذكور في هذه الآية الكريمة زعم بعض أهل العلم أنه بروحه دون جسده ، زاعما أنه في المنام لا في اليقظة ، لأن رؤيا الأنبياء وحى . وزعم بعضهم أن الإسراء بالجسد ، والمعراج بالروح دون الجسد . ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده صلَّى اللَّه عليه وسلم يقظة لا مناما ، لأنه قال : * ( بِعَبْدِه ) * والعبد مجموع الروح والجسد . ولأنه قال : * ( سُبْحانَ ) * والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام ، فلو كان مناما لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه . ولأنه لو كان رؤيا منام لما كان فتنة ، ولا سببا لتكذيب قريش له صلَّى اللَّه عليه وسلم لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح . ولأنه - سبحانه - قال * ( لِنُرِيَه مِنْ آياتِنا ) * والظاهر أن ما أراه اللَّه - تعالى - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم إنما كان رؤيا عن طريق العين ويؤيده قوله - تعالى - : ما زاغَ الْبَصَرُ وما طَغى . لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّه الْكُبْرى ولأنه ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم قد استعمل في رحلته البراق ، واستعماله البراق يدل على أن هذا الحادث كان بالروح والجسد وفي اليقظة لا في المنام . وما ثبت في الصحيحين عن طريق شريك عن أنس - رضى اللَّه عنه - أن الإسراء المذكور وقع مناما ، لا ينافي ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة ، ودلت عليه نصوص الكتاب والسنة من أنه كان يقظة وبالروح والجسد ، لإمكان أنه صلَّى اللَّه عليه وسلم رأى الإسراء المذكور مناما ، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح ، فأسرى به يقظة تصديقا لتلك الرؤيا المنامية « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 348 لفضيلة المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي .